Archive

Archive for the ‘في النشر’ Category

دك برونا وميفي وسنوفي وبوبي

مارس 28th, 2010 Mahoud Abdou 1 comment

ميفي - Miffy - Nijntje

- “ميفي”(1) هي الشخصية الأشهر في ابتكارات “دِك برونا”(2)، رسام ومصمم ومؤلف هولندي من نمط فريد.
- منذ مولدها في 1955 وحتى العام 2008 نُشِر 189 كتاب مُصور بطولة “ميفي” حققت مبيعات زادت على 89 مليون نسخة في أنحاء العالم وترجمت إلى ما يزيد على 40 لغة  – وقامت ببطولة حلقات تلفزيونية وزينت منتجات (ملابس وأدوات ولعب ودمى) كثيرة للأطفال.
- في السنين الأخيرة تحقق “ميفي” -عن طريق بيع حقوق استخدامها في الكتب والمنتجات الأخرى- دخلاً سنويًا يزيد على 150 مليون جنيه استرليني سنويًا.
- منذ بداية عمله في التصميم والرسم منتصف القرن الماضي صمم دِك برونا (الأب الشرعي لميفي) لدار النشر التي كان يمتلكها والده حوالي 2000 غلاف.
- يعرض متحف دِك برونا في أوتريخت، هولندا 1200 عمل من أعماله.
- لم يكمل برونا تعليمه الرسمي لكنه طور نفسه بنفسه في متاحف الفن ومن خلال ممارسته.


كتب أحدهم معلقًا على كتاب عن قصة حياة “دك برونا” على موقع أمازون:
(في طفولتي، لم يكن من الممكن تصور أن يمر يوم بدون قصص سنوفي وميفي وبوبي وبوريس وشخصيات أخرى ثانوية لكنها جميعًا رائعة، كلها من إبداعات قلب وعقل هذا الرجل ومواهبه، إن كتاب عن سيرة دك برونا لهو كتاب عن الفن الجميل وهو قصة حب وهو أيًَضًا هدية لا تتوقف عن العطاء).


ديك برونا - Dick Brunaفي أغسطس 1927 ولد دِك برونا في مدينة أوتريخت الهولندية لأسرة ثرية. كان جده الأكبر قد اسس دارًا للنشر في 1868 وحتى نهايات القرن التاسع عشر كانت هذه الدار قد توسعت بحيث أصبحت تمتلك منفذاً لبيع الكتب في كل محطة من محطات القطارات في البلاد.
قضى برونا طفولة عابثة وقدر له أن يلتقي كثير من المؤلفين  والرسامين في منزل العائلة مما أكسبه شغف مبكر بالرسم، وبمرور الوقت كان هذا الشغف يكبر معه إلى الدرجة التي أوصلته إلى رفض رغبة والده في وراثة مهنة وعمل العائلة في مجال النشر وبيع الكتب.


مع ازدياد وطأة هجمات هتلر وتسارع ايقاع طبول الحرب العالمية الثانية هربت الأسرة إلى منزل ريفي بعيد عن المدينة والمدرسة وأعطى هذا للصبي الشغوف فرصة جيدة لمزيد من الرسم، صار الآن يرسم على كل شئ يمكن الرسم عليه أو يمكن أن يقع تحت يده.
بعد الحرب انتقلت الأسرة إلى مدينة أخرى ولم يتمكن ديك من أن ينتظم بالدراسة هناك فساومه أبوه على تركها بشرط أن يساعده في عمله في مجال النشر؛ وكان أن رتب له تدريبًا في لندن التي أمضى بها قرابة العام ثم غادرها إلى باريس حيث استمتع بمجاورة المبدعين الذين ازدحمت بهم المدينة متعددة الثقافات والأعراق وأنفق الكثير من وقته متنقلاً من قاعة عرض إلى أخرى أخذاً في الانبهار بسادة الفن الحديث هناك؛ بيكاسو وماتيس وليجيه وبراك والآخرين، عاد بعدها إلى بلده ليبدأ سيرة حياة حافلة في الرسم والتصميم.

في منتصف الخمسينات بدأت دار نشر “برونا وولده” في سلسلة كتب بوليسية جديدة بعنوان (كتاب الشهر) بطباعة فاخرة وتجليد قماشي راق، تضمنت روايات بوليسية للكاتب الهولندي هافانك كما تضمنت أيضًا روايات أخرى لليلزلي كارترز ، رسم دك برونا أغلفتها وحققت هذه السلسلة مبيعات مهولة تخطت الستة ملاين كتاب وبقيت يعاد طبعها حتى الثمانينات من القرن الماضي عندما بدأ بريقها يخفت.

في 1954 -مدفوعين بالظروف الاقتصادية بعد الحرب الطاحنة وما خلفته من تأثير على الاقتصاد في اوروبا والعالم- قرر أصحاب “برونا وولده” أن يجربوا النشر في طبعات محدودة التكلفة وبأغلفة ورقية بدلاً من أغلفة الورق المقوى الفاخرة وكانت المهمة الموكلة إلى دك أن يكسب هذه الأغلفة الرخيصة رونقًا يعوضها عما تفقده من فخامة تقليدية.

بدأت “برونا وولده” في نشر سلسلة روايات بوليسية باسم “الدببة السوداء” (Zwarte Beertjes) ارتكزت على قصص ومغامرات المخبرين السريين وصارت هذه السلسلة بمثابة ورشة عمل مستمرة لبرونا لمزيد من التجريب والاكتشاف والتعلم وإرساء قواعد أسلوبه الجديد.

في تصميماته الجديدة بدأ دك بالتركيز على استخدام الألوان الأساسية القوية فوق خلفيات سوداء وبتكوينات شديدة البساطة مستوحاة من رسومات ماتيس التي تعرف عليها في باريس في السنوات السابقة.


ديك برونا هافناك - Dick Bruna - Havnakديك برونا هافناك - Dick Bruna - Havnak

اعتمد دك على المقص أكثر مما اعتمد على القلم في تحديد أشكال الشخوص والرسومات، فبخلاف القلم وأدوات الرسم التقليدية يستطيع المقص أن يوجز كثيرًا من التفاصيل بحركته المحدودة والتي لا تسمح بكثير من التعرجات، يعطيك المقص أيضًا تلك الفرصة الذهبية لأن تكتشف تصورات أخرى أقل صخبًا وأكثر تركيزًا؛ أسلوب الرسم بالمقص هو في حد ذاته اختصار. تترك خطوط المقص الموجزة القليلة مساحة كبيرة من السكون البصري تمكن دِك ببراعة وعين مدربة وروح مكتسبة من ماتيس من أن يضع وسط مساحات السكون إشارات وشخوص ذات ألوان صريحة ولافتة لأقصى درجة بل وقادرة أيضًا على توصيل رسالتها من أقصر طريق وبكل بلاغة، في الفنون البصرية أيضًا بلاغة.


تمكن دك بهذا الأسلوب من خلق هوية مميزة “Corporate Identity” جديدة لمنشورات وكتب “برونا وولده”، وبنفس الأسلوب أيضًا قام بتصميم ملصقات دعائية ذات مقدرة على جذب الزبائن عالية بما يكفي لرفع المبيعات وملء جيوب السيدين برونا الكبيرين -الوالد والجد- بمزيد من النقود وبما يكفي أيضًا لتحقيق مزيد من السعادة وبالتالي حصول مزيد من الدفع والتشجيع للسيد برونا الصغير.
مأخوذاً تماماً بمفاجآت الأسلوب الجديد لم يجد دك ضرورة تلزمه بتثبيت مكان كتابة اسم المؤلف أو عنوان الكتاب نفسه، تحول الأمر كله بين يدي برونا ومقصاته وقصاقيص ورقه إلى سلسلة متوالية من الابتكار والاكتشاف ونبذ التقاليد المتوارثة في صناعة الكتاب.


ديك برونا - Dick Brunaديك برونا - Dick Brunaنفذ برونا في السنة الأولى لهذه الاكتشافات ست أغلفة، وفي السنة الثانية نفذ ثماني عشرة كتاب بشكل تجريبي ثم تدفق انتاجه ليزيد على المائة غلاف في السنة. بدأ برونا يوسع من تقنياته باستخدام تمزيق الورق يدويًا أوبالرسم أحيانًا أو بالقص واللصق أحيانًا أخرى كثيرة.

دأب برونا على قراءة الرواية أولاً ليعرف مضمون الحكاية وأعطى لكل مؤلف رمزاً/ شعارًا بصرياً مميزًا فأعطى لكتب هافانك رمز/ شعار بصري يمثله صورة ظلية “silhouette” لمدخن سيجار ذي نظرة قاسية، وأعطى لكتب مايجريت رمز الغليون “pipe” في صورة ظلية، أما كتب ليزلي كارترز فتميزت بصورة ظلية لرجل له هالة فوق رأسه.
على نفس نهج البلاغة قلل برونا من التنويع في خطوط العناوين وحصرها في بضعة أنواع ورسم شخوصه بلا ظلال، أدى هذا إلى أن أصبحت أغلفته عبارة عن رموز لمواقف وشخوص يمكن إدراكها من أول نظرة، لا شيء يحتاج إلى التفسير فكل شيء بليغ وواضح.
عمل برونا على إكساب السلسلة كلها -لا الغلاف الواحد- نفس السمات البصرية محققًا ميزة بيعية لصالح السلسلة لا لصالح الكتاب مفردًا، مزيد من السعادة لأل برونا.

 صنع برونا أكثر من 2000 غلاف في سلسلة الدببة السوداء لصالح دار نشر “برونا وولده” قبل أن يخفت نجاحها ويتم بيعها في 1982.

ديك برونا - Dick Bruna


برونا يكتب ويرسم للأطفال
أول رسومات برونا للأطفال
أول نسخة مرسومة من ميفي

 

رسم برونا قصة عن أرنب أبيض صغير لتسلية ابنه، كان هذا أول ظهور لـ “ميفي” بعينين كنقطتين وأذنين غير منمقتين ومسحة من العشوائية في خطوطه العامة وفي تكوينات الرسومات، بدأ برونا بنشر سبعة قصص من هذا الاختراع الجديد الذي لم يحقق نجاحًا كبيرًا في البداية نظرًا لقلة خبرة “برونا وولده” في نشر وتسويق كتب الأطفال، رغم هذا بقي برونا مقتنعاً بأن هذه الرسومات كفيلة بتحقيق النجاح.

  

 

قام برونا بتصغير قياسات كتب اختراعه الجديد إلى 16×16سم لكي تتناسب مع الأيدي الصغيرة للأطفال ولكي يقلل من التكلفة أيضًا ثم غير فيما بعد من شكل ميفي وأكسب الرسم قدرًا من الاتزان وبعض الصلابة في الخطوط وتخلى عن مسحة العشوائية الأولى. بدت ميفي أكثر ثقة في نفسها وأكثر ثباتًا عن ذي قبل وأكثر قدرة على الإقناع وأكثر جاذبية.


ديك برونا أثناء تلوين ميفيبخلاف تصميمات ورسومات مجموعة الدببة السوداء لم تصنع ميفي من الورق المقصوص فقد رسمها برونا بخطوط سوداء ثقيلة ومساحات ملونة بألوان زاهية صريحة. عمل برونا في رسومات ميفي بدقة مثالية، كانت بعض الرسومات لشخصية ميفي تستغرق منه يومًا كاملاً حتى إذا وصل إلى درجة من الرضا والاكتفاء فإنه يقوم بنقل/ شف الرسم إلى فيلم شفاف ثم يقوم بتجربة مجموعات من الألوان على أوراق منفصلة.


في شكلها العام تبدو ميفي ورفاقها متبلمة بلا تعبير واضح فلا يمكنك أن تدرك إن كانت حقًا سعيدة أم حزينة، تفكر أم لا تفكر، لكن هذه الحالة من التبلم الدائم لم تمنع جمهور الأطفال -والآباء- من أن ينبهروا بها. في حقيقة الأمر لم تكن الشخصيات نفسها أو سماتها هي المسبب لهذا الانبهار، هي شخصيات مسطحة معنويًا بلا تعبير محدد وهي لهذا السبب “حمَّالة”، حمَّالة بمعنى أن لديها قابلية غير محدودة على تحمُّل المعاني والأحداث التي يتم سردها، المعاني والأحداث بدورها على الدوام بسيطة وبريئة وغير متراكبة ولا متراكمة، لا أكثر من خط درامي واحد في أبسط صورة ممكنة للدراما وأكبر تكثيف ممكن للحدث.


الألوان الصريحة المباشرة، الخطوط المحددة التي تصيغ شكل الشخصيات، رغم التبلم الدائم هي طريفة، تلك البساطة الشديدة في الملبس وتفاصيل الجسم وفي المشهد المحيط. نصوص مغامرات ميفي أيضًا تسير على نفس النهج البليغ، مكثفة لأقصى درجة وبسيطة ولا تقدم أي فانتازيا أو مغامرة بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ عندما يسمى برونا قصص ميفي “مغامرات ميفي” فإن الإحالة النسبية تحدد المقصود بكلمة “مغامرات”، فهي مغامرات فقط لأنها حدث وسط حالة من السكون/ اللاحدث. ميفي ككل هي حالة من التبسيط والبلاغة في قالب طريف جذاب، وهنا تكمن عبقريتها وعبقرية برونا.

ميفي باللغة العربية

أصبحت ميفي ورفاقها شخصيات عالمية شهيرة وفي عيد ميلاد ميفي الخمسين تم افتتاح متحف لأعمال برونا في أوتريخت.
أصبح برونا مليونيرًا بعد الكم المبهر من المبيعات الذي حققته ميفي ورفاقها وبعد أن نطقت بمعظم لغات العالم(3) لكن برونا ظل متجددًا كنهر لا ينضب وظل أيضًا متواضعًا خجولاً، ربما أكثر من ميفي.


محمود عبده

هامش

==============
(1) ميفي، بالإنجليزية “Miffy”، وبالهولندية “Nijntje”، أرنبة صغيرة ابتكرها دِك برونا سنة 1955 في هولندا وترجمت إلى لغات العالم.
(2)دِك برونا “Dick Bruna”.

(3) في 2007 نشرت دار الشروق مجموعة من مغامرات ميفي، لأول مرة باللغة العربية، كما نشرت أيضًا مجموعة من كتب التلوين تعتمد على ميفي ورفاقها.

البحث عن ضوء رمبرانت :: حول النشر الألكتروني

فبراير 28th, 2010 Mahoud Abdou 2 comments

في مقال هام نشر في مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» يرى السيد چيسون إبشتاين أن صناعة النشر تمر حاليًا بمرحلة انتقالية تاريخية من الكتاب المطبوع على ورق إلى ملفات الكترونية يمكن تداولها وتوزيعها بسهولة أكبر وتكلفة أقل وسرعة فائقة.
وهو يرى أن هذا التحول الذي يحدث الآن بشكل غير قابل للنقض ولا التراجع على حد تعبيره؛ سيكون ذا تأثير جذري أيضًا على الثقافة التي يحملها الكتاب والتي هي سبب وجوده.


السيد جيسون إبشتاين هو أحد الناشرين المهمين أصحاب الرؤية والتأثير في صناعة النشر الأمريكية في النصف الأخير من القرن الماضي، تشير إلى ذلك كثير من أوسمة وجوائز التميز التي حصل عليها لاسهاماته البارزة في صناعة النشر الأمريكية.
و«النيويورك ريفيو أوف بوكس» هي مجلة نيويوركية نصف شهرية تهتم بالكتب والثقافة وتعد واحدة من أهم الدوريات المتخصصة في هذا الشأن باللغة الانجليزية.


يواصل السيد ابشتاين مقالته بنكهة إنجليزية عتيقة فينبه القارئ إلي أن جوتنبرج نفسه لم يكن ليمكنه أن يحدس أو أن يتوقع التأثير المتعاظم الذي أحدثه اختراع المطبعة في العالم وحضارته في العصور الحديثة. هو يود هنا أن يشير إلى حالة مماثلة من انعدام الحدس التي يمر بها الناشرون حاليًا -والمهتمون بالثقافة على وجه العموم- وهي الحالة التي تجعلهم غير قادرين على استبصار التأثير الذي يحمله مستقبل رقمنة الثقافة (تحولها من الكتاب الورقي المطبوع إلي الرقمي المخزن الكترونيًا) إلا بشكل مضبب.
يشير أيضًا إلى أولئك الناشرين الذين عانوا في الماضي القريب من مصاعب التوزيع ونشر الثقافة عبر الكتاب المطبوع وما زالوا يبحثون عن أرض ثابتة يقفون عليها ولا يتعجب لعدم تقدمهم لاقتناص الفرصة التي تقدمها الرقمنة ويتيحها التحول الألكتروني وهي الفرصة التي تتمثل -فيما يرى أو يقترح- في إعادة نشر مطبوعاتهم السابقة (Backlist) في سوق جديد رقمي عالمي لا مركزي ولا محدود.
هو يحذر أيضًا من أن التكنولوچيا الجديدة لا تنتظر إذن أحد حين تتصرف وتنتشر بشكل فوضوي لا يخضع لنظام محدد مسبقًا ولا تتفاوض حول حقوق ملكية فكرية لمصنف ما؛ فهذه المصنفات سوف تجد طريقها لا محالة إلى قارئ جديد عبر تكنولوجيا جديدة.


قبل هذه الهجمة -أو الثورة- الرقمية التي يدور المقال حولها ومنذ ما يربو على عقدين من السنين وإذا كنت بصدد عمل دراسة بحثية كان عليك أن تواجه مصاعب عديدة قد لا يتمثل أسوأها في عدم وجود نظام مكتبي أرشيفي جيد بما يسمح بتسهيل مهمة الباحث ولا في صعوبات النسخ والمراجعة على أو من الأصول بل قد يتسع خط مواجهة المصاعب لديك لتواجه مثلاً رحيل أو ترحيل الكتب والمراجع فتجد نفسك مضطراً لعمل “كعب داير” للتنقيب عن مرجع مسجل في مكتبة ما وانتقل في مرحلة من تاريخ الوطن إلى دار الكتب والوثائق القومية لسبب أو لآخر، أما الأسوأ على الإطلاق فيتمثل في اضطرارك أحياناً للاستغناء عن نقاط محورية في بحثك أو حتى تحويل مسار البحث بالكامل نظراً لعدم توافر أو كفاية المراجع. كانت ومازالت تحدث اشياء كهذه.
اليوم وبفضل الرقمنة يمكنك أن تمتلك نسخة مما تشاء من كتب أو مراجع ليس فقط على كمبيوترك المحمول ولكن أيضًا على تليفونك المحمول لتتصفحها بينما تنتظر تجديد رخصة قيادتك في إدارة المرور أو بينما تتمدد على كرسي تشوف منه البحر شو كبير، لم تعد هناك حاجة إذن للإقامة شبة الكاملة في المكتبات ومصادقة أمناءها أو تملق أميناتها لكي يصل إليهم الإيحاء بأنك دودة كتب تستحق الشفقة ومن ثم تسهيل مأموريتك وإمدادك بما يلزم ويا حبذا لو سمحوا لك بالتنقيب بنفسك في دواليب الكتب أو مخازن المكتبة.
لم تعد هناك حاجة أيضًا لإنفاق أموالك على ماكينات التصوير لتحصل على نسخ قميئة يمكنك بالكاد قرائتها فما بالك لو كانت مادة بحثك تدور حول مسائل فنية موجودة في تصاوير أو منحوتات أو رسومات تستلزم حد معين من الوضوح كي تتمكن من مجرد رؤية ما تبحث فيه أو عنه.
قد يصل الأمر بك حينها إلى أن تلعن ألمعية ذهنك الوقاد التي دعتك لاختيار بحث حول “الضوء في لوحات رمبرانت”(1) أو “التراكيب المعقدة في لوحات روبنز”(2) بينما تجهد نفسك في مقاومة رائحة حبر ماكينات التصوير التي أوشكت أن تدمن شمها وأنت تبحث عن ضوء رمبرانت وتراكيب روبنز.


رمبرانت: الرعاة يمجدون السيد المسيح

الآن يمكنك باستخدام كتاب الكتروني يضم آلاف الصفحات أن تبحث عن كلمة ما بسهولة شديدة، أن تبحث عن موضوع ما من خلال كلمات مفتاحية ما في لا زمن تقريباً وهو الأمر الذي كان يستلزم جهد كبير -فيما سبق- لتصل إلى مرحلة أن تبدأ البحث.
يمكنك تجميع فقرات بعينها وإعادة قرائتها في سياق جديد وبشكل فيه ابتكار من أجل استقراء معلومات لم يكن لها لتتوافر إلا بعد جهد مضنِ.
يمكنك تسجيل ملحوظاتك الهامشية ثم إعادة جمعها وترتيبها واستخراج مسودات بيسر أكبر، كثير من فنيات البحث والتدقيق أصبحت التكنولوجيا الرقمية تقدمها على طبق من فضة.


بين ما كان متاحاً فيما سبق وبين ما تتيحه التكنولوجيا الرقمية الآن تبدو المقارنة كما لوكانت بين من يبحث في الظلام وبين من يبحث تحت ضوء ساطع، سهولة أكبر ومرونة في التنقل بين مختلف المراجع تتيحان المزيد من الوقت لعمل الذهن في التحليل ومطاردة ما يكمن في وسط آلاف السطور.


النشر الألكتروني هو مستقبل الثقافة أما مهنة النشر التقليدية ذاتها فهي تواجه اليوم تحديات تصل إلى التشكيك في مدى الاحتياج إليها، لم يعد من الصعب على أي كاتب أو مؤلف أن يكتب مؤلفه ولا أن ينشره عبر الشبكة ولا أن يرسله للمراجعة والتصحيح لدى مراجع لغوي عبر البريد الإلكتروني ثم يحصل على مساعدة من أحد برامج النشر لوضعه في قالب (Template) إخراجي وجرافيكي ثم يبثه إلى القراء عبر أي وسيلة أو قناة من القنوات التي تتيحها الشبكة؛ إما عبر موقع خاص أو عبر موقع مجمع يقدم منشورات ومحتوى الكتروني. على الشبكة بدأت طلائع هذه المواقع في الظهور والانتشار وأخذ مكانها في منظومة الثقافة ومنتجيها. يستطيع المؤلف أيضًا وبكل بساطة أن يضع منتجه في رسالة بريدية ثم يرسله لمن يشاء أو لمن يدفع مقابله مادي.
بعض منتجى المصنفات الفكرية أو الأدبية أو الفنية (كتاب، أدباء، فنانون) يعملون في نطاق نظام آخر مبتكر يقنن وينظم مصنفاتهم وإنتاجهم ضمن ما يعرف -بشكل عام- بالتراخيص مفتوحة المصدر وهي التي تسمح لك بالحصول على المنتج بلا مقابل سوى بضعة شروط من باب التقدير المعنوي لصاحب المنتج الأصلي يتمثل أهمها وأكثرها شيوعاً في شرط ذكر المصدر المنتج للمادة.
أين دور الناشر التقليدي هنا؟
لا يوجد. لن يوجد.


دور الناشر في الثقافة البشرية العتيقة هو دور نشأ وأوجدته ضرورة في مرحلة ما بعد اختراع المطبعة ليتمكن من تنسيق وتنظيم عملية الطباعة وتسليم المنتج الثقافي إلى مستقره في يد القارئ، هو دور خدمي وسيط بين نقطتين، النقطة (أ) هي صاحب المنتج الثقافي الأصلي؛ الكاتب أو المؤلف؛ النقطة (ب) هي القارئ المتلقي. لكن الآن يستطيع المنتج الأصلي أن يرسل ما ينتجه مباشرة إلى القارئ المتلقي، إذن انتهى -أو تضاءل- قدر الاحتياج إلى وسيط أو لنقل أنه على هذا الوسيط أن يغير من أساليبه اذا ما أراد أن يستمر، عليه أن يتوافق مع المستجدات وأن ينتقل إلى النشر الألكتروني.


الضرورة -في زمن المطبعة- هي التي أوجدت الناشر وعظمت من دوره، أما وقد أوشك زمن المطبعة على الأفول فسيأفل معه دور الناشر لانعدام الاحتياج، ببعض التسامح في قراءة المعادلة لنقل أن دور الناشر سيتأثر بشكل كبير يجبره على تغيير كثير من خطط وجداول أعماله، سيجد نفسه لا محالة مجبرًا على أن يتوجه إلى الجمهور الكبير المتزايد باطراد بتزايد حجم وانتشار وتأثير الشبكة وتواجدها في حياتنا.


بالطبع لا تأخذ مثل هذه النقلات المهنية التقنية شكل منحنى انسكاري ولن يكون هذا الانتقال بين ليلة وضحاها وسيستلزم الأمر بعض الوقت لكنه على أي حال ظاهر في الأفق؛ وكل ما علينا الآن هو إن نتطلع إليه ونتأهب، لكن البعض قد يبقى لوقت أطول من اللازم يبحث عن ضوء رمبرانت.


محمود عبده
هامش
==============
(1) رمبرانت: فنان هولندي يعتبر أحد أعظم فناني أوروبا (1606-1669م).
تميزت لوحاته بتوظيف الضوء لتكثيف تراجيديا المشهد المرسوم فيها عن طريق تركيز الضوء على شخصيات محددة بينما تترك مساحات كبيرة من اللوحة في حالة أقرب إلى الظلام الدامس.
(2) روبنز: فنان هولندي وأحد أعظم فناني أوروبا (1577-1640م).
كان أحد مميزات أسلوبه هو استخدام تراكيب من البشر والعناصر شديدة التعقيد.